محمد بن جرير الطبري
126
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وظلمة الرحم ، وظلمة البطن . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ قال : المشيمة في الرحم ، والرحم في البطن . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ : الرحم ، والمشيمة ، والبطن ، والمشيمة التي تكون على الولد إذا خرج ، وهي من الدواب السلى . وقوله : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يقول تعالى ذكره : هذا الذي فعل هذه الأفعال أيها الناس هو ربكم ، لا من لا يجلب لنفسه نفعا ، ولا يدفع عنها ضرا ، ولا يسوق إليكم خيرا ، ولا يدفع عنكم سوءا من أوثانكم وآلهتكم . وقوله : لَهُ الْمُلْكُ يقول جل وعز : لربكم أيها الناس الذي صفته ما وصف لكم ، وقدرته ما بين لكم الملك ، ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما لا لغيره ؛ فأما ملوك الدنيا فإنما يملك أحدهما شيئا دون شيء ، فإنما له خاص من الملك . وأما الملك التام الذي هو الملك بالإطلاق فلله الواحد القهار . وقوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يقول تعالى ذكره : لا ينبغي أن يكون معبود سواه ، ولا تصلح العبادة إلا له فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يقول تعالى ذكره : فأنى تصرفون أيها الناس فتذهبون عن عبادة ربكم ، الذي هذه الصفة صفته ، إلى عبادة من لا ضر عنده لكم ولا نفع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَأَنَّى تُصْرَفُونَ قال : كقوله : تُؤْفَكُونَ . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَأَنَّى تُصْرَفُونَ قال للمشركين : أنى تصرف عقولكم عن هذا ؟ القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ . . . بِما كُنْتُمْ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ فقال بعضهم : ذلك لخاص من الناس ، ومعناه : إن تكفروا أيها المشركون بالله ، فإن الله غني عنكم ، ولا يرضى لعباده المؤمنين الذين أخلصهم لعبادته وطاعته الكفر . ذكر من قال ذلك : حدثني علي قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ يعني الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ، فيقولوا : لا إله إلا الله ، ثم قال : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وهم عباده المخلصون الذين قال : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ قال : لا يرضى لعباده المؤمنين أن يكفروا . وقال آخرون : بل ذلك عام لجميع الناس ، ومعناه : أيها الناس إن تكفروا ، فإن الله غني عنكم ، ولا يرضى لكم أن تكفروا به . والصواب من القول في ذلك ما قال الله جل وعز : إن تكفروا بالله أيها الكفار به ، فإن الله غني عن إيمانكم وعبادتكم إياه ، ولا يرضى لعباده الكفر ، بمعنى : ولا يرضى لعباده أن يكفروا به ، كما يقال : لست أحب الظلم ، وإن أحببت أن يظلم فلان فلانا فيعاقب . وقوله : وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ يقول : وإن تؤمنوا بربكم وتطيعوه يرض شكركم له ، وذلك هو إيمانهم به وطاعتهم إياه ، فكنى عن الشكر ولم يذكر ، وإنما ذكر الفعل الدال عليه ، وذلك نظير قوله : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً بمعنى : فزادهم قول الناس لهم ذلك إيمانا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا